السيد محمد تقي المدرسي

108

على طريق الحضارة

الكائنات الحيّة على الثلاثين ألف نوع على وجه البسيطة . وحينما سئل الإمام جعفر الصادق عليه السّلام عن السّر وراء هذا التنوّع العظيم ، أجاب : « حتى يُري الله قدرته في كل شيءٍ . . . وإنه ما من شيءٍ يمر على خاطر الإنسان إلّا وقد خلق الله سبحانه وتعالى مثله » . فالخالق الذي يستطيع خلق المجرة بمهابتها قد خلق الذرّة على ضآلتها ، وهو القادر المدبّر ، وليس خلقه للمجرّة والذرّة إلّا بقوله : كُنْ فَيَكُون . وخلق الله الإنسان متنوّعاً في كل شيءٍ ؛ لبيان قدرته . فهل تعلم كم خلق الله من الشعوب والأمم والقبائل والأُسر والأنفس ؟ ! وهل تعرف أن العلماء قد اكتشفوا استحالة التشابه بين إنسان وآخر ، وذلك في كل جزء من أجزائه ؟ وهذا التنوّع يبيّنه ربّنا تبارك وتعالى في آيات من سورة فاطر المباركة حيث يقول أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا ( فاطر / 27 ) . فانظر إلى كلمة « ماء » التي جاء بصيغة النكرة التي تدل على العموم وإمكانية التنوّع ، وانظر أيضاً إلى كلمة فَأَخْرَجْنَا التي تشير بصراحة إلى الإرادة المهيمنة والمطلقة والمدبّرة دون الصدفة والعبثيّة ، ثم لاحظ كلمة مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا التي لا تعني لون الثمرة فحسب ، بل تتعدى إلى التأكيد على التفاوت في جنس الثمرات وتعددها شكلًا وطبيعة وموسماً ، حتى أن من الثمرات ما لا يعرف لها الناس إسماً .